الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
317
نفحات الولاية
وساوس النفس والدوافع الشيطانية التي تسول لأنفسهم عد تلك الذنوب من الفرائض ، وكما صورهم القرآن الكريم « وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَ نَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » « 1 » . والثالث أن يمنع شياطين الجن والإنس الاذن بالنفوذ إلى قلبه ويشوهوا عليه الحقيقة . ولم يكن لأيمن هذه المحاور الثلاث من سبيل إلى الإمام عليه السلام ؛ وذلك لأنّه أوصد كافة الأبواب الباطنية والظاهرية للخطأ والانحراف بوجه الوساوس والأهواء وتحلى بتقوى وورع وبصيرة جعلته يرى الحقيقة كما هي . ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد يقول عليه السلام : « إنّ معي لبصيرتي » ، أنّ البصيرة التي كانت معي في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في كافة الأحداث المهمّة التي وقعت على عهده ما زالت معي ولم تتغير . والعبارة إشارة إلى الآية الشريفة « قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي » « 2 » . بينما يرى البعض الآخر أن قوله عليه السلام : « ما لبست على نفسي ، ولا لبس علي » هو تفسير لقوله « وإنّ معي لبصيرتي » إلّاأنّ ما ذكر سابقاً أنسب . الجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام قال : ما لبست على نفسي ، ثم قال : ولا لبس علي ؛ الأمر الذي يكشف عن ترتيب طبيعي ينبغي فيه ألا يخدع الإنسان من قبل نفسه أولًا ثم يأمن مكر الآخرين وخداعهم . ثم خاض في المحور الثالث ليكشف عمّا ستؤول إليه نتيجة موقعة الجمل محذرا خصومه بشدة « وآيم « 3 » اللَّه لُافرطن « 4 » لهم حوضا أنا ماتحه « 5 » ! لا يصدرون عنه ولا يعودون إليه » . والواقع هو أنّ الإمام عليه السلام شبه ميدان القتال بالحوض الذي يريد ملأه بالماء بحيث لا يبقى معه من مجال ؛ أراد عليه السلام لأملأن لهم حياض الحرب التي هي دربتي وأنا مجرب لها ، ثم يشير عليه السلام إلى النتيجة التي سيؤول إليها أهل الجمل وهى لن تكون سوى القتل وإزهاق
--> ( 1 ) سورة الكهف / 104 . ( 2 ) سورة يوسف / 108 . ( 3 ) يرى بعض أرباب اللغة أن « آيم » جمع « يمين » بمعنى القسم وقد سقطت النون وهى مبتدأ لخبر محذوف تقديره ( وأيمن اللَّه قسمي ) . ( 4 ) « افرطن » من مادة « إفراط » بمعنى تجاوز الحد ( ما يقابل التقريط ) ، كما تأتي بمعنى ملأ الشيء حتى يفيض ، وقد جاءت بهذا المعنى في العبارة . ( 5 ) « ماتح » بمعنى امتداد الشيء ثم أطلقت على المستسقي الذي يدلي بدلوه لاستخراج الماء من البئر . وقيل إنّ الماتح لمن يستسقى الماء من أعلى البئر ، بينما المايح من تحته .